مولي محمد صالح المازندراني
55
شرح أصول الكافي
( عن أن يدرك بحد أو يحد بوصف ) أي عن أن يدرك شرح حقيقة ذاته أو ما له من كمال صفاته بالتحديد والتعيين ، أما الأول فلأنه لا حد لحقيقته ، وأما الثاني فلأنه ليس لما يعتبره العقول من كماله سبحانه نهاية يقف عندها فيكون العقل حاداً له . ( واللطافة منا الصغر والقلة ) المستلزمان لعسر إدراك المتصف بهما وصعوبة نفوذ العقل فيه ، واللطافة في الواجب ليست بمعنى الصغر والقلة كما عرفت ( فقد جمعنا الاسم ) أي اسم اللطيف ( واختلف المعنى ; لأن اللطافة منّا صفة حادثة قائمة بنا ، وفيه جل شأنه علمه الذي هو نفس ذاته الحقة باعتبار نفوذه في جميع الأشياء ، والاختلاف بينهما لا يشتبه على ذي عقل . ( وأما الخبير ) إذا أريد سبحانه ( فالذي لا يعزب عنه شيء ولا يفوته ليس للتجربة ولا للاعتبار بالأشياء ) يعني أنه تعالى خبير بمعنى أنه لا يبعد عنه شيء من الأشياء ، ولا يغيب عنه أمر من الأمور ، وليس خبره بالأشياء وعدم بعد شيء عنه مستنداً إلى التجربة والتكرار ولا إلى النظر ، والاعتبار هو العبور من علم إلى علم آخر ، وفيه إشارة إلى أن علمه ليس بضروري ولا نظري ( فعند التجربة والاعتبار علمان ) أحدهما تجربي ضروري والآخر اعتباري نظري ، وفي كتاب العيون : « فتفيد التجربة والاعتبار علماً » وهو الأصوب والأظهر ( ولولاها ما علم ) أي لولا التجربة والاعتبار ما علم شيئاً ضرورة أن انتفاء السبب يوجب انتفاء المسبب ، والمراد بالتجربة ما عدا طريق الاكتساب فيشمل طرق الضرورة كلها . ولما أشار إلى أن علمه ليس للتجربة والاعتبار بين ذلك وأثبته بقوله : ( لأن من كان كذلك كان جاهلاً ) يعني من استفاد علمه بالتجربة والاعتبار كان جاهلاً قبلهما بالضرورة ( والله لم يزل ) في مرتبة ذاته الحقة من كل جهة ( خبيراً بما يخلق ) غير المتصف بالجهل أصلاً فليس علمه مستفاداً منهما ( والخبير من الناس المستخبر عن جهل المتعلم ) ( 1 ) الاستخبار السؤال عن الخبر ، ولعل المقصود أنه يعتبر في مفهوم الخبير إذا أطلق على الناس زيادة الاحتمال وهي الاتصاف بالخبر يعني العلم بعد الطلب والتعلم من الغير مع جهل سابق ، ولا يبعد أن يكون الاستخبار إشارة إلى طلبه بالتجربة ونحوها ، والتعلم إشارة إلى طلبه بالاعتبار ، فيكون فيه إشارة إلى اعتبار مأخذ العلم وطريقه في هذا
--> 1 - قوله : « المستخبر عن جهل المتعلم » المتعلم صفة للمستخبر ، والمعنى أن الخبير من الناس مستخبر متعلم واستخباره حاصل بعد جهله ; لأن علمنا إما بديهي وإما نظري كما قسمه أهل المنطق ، والبديهيات حاصلة بالتجربة بالمعنى الأعم الشامل للحس والحدس ، والنظريات حاصلة بالاعتبار ، وكلاهما بعد الجهل ، وقال بعض من لا عبرة به في تفسير الجملة : الخبرة من الناس يفتش عن جهل تلاميذه ، وهو عجيب ، وقال الحكماء : كل متعجب ضاحك . ( ش )